سيد قطب
1939
في ظلال القرآن
وشأن الاستمداد والتلقي . وشأن الحياة والموت . وشأن السعي والحركة . وشأن الصحة والرزق . وشأن الدنيا والآخرة . فلا تتفرق مزقا ؛ ولا تتجه إلى شتى السبل والآفاق ؛ ولا تسلك شتى الطرق على غير اتفاق ! « والكينونة الإنسانية حين تتجمع على هذا النحو ، تصبح في خير حالاتها . لأنها تكون حينئذ في حالة « الوحدة » التي هي طابع الحقيقة في كل مجالاتها . . فالوحدة هي حقيقة الخالق - سبحانه - والوحدة هي حقيقة هذا الكون - على تنوع المظاهر والأشكال والأحوال - والوحدة هي حقيقة الحياة والأحياء - على تنوع الأنواع والأجناس - والوحدة هي حقيقة الإنسان - على تنوع الأفراد والاستعدادات - والوحدة هي غاية الوجود الإنساني - وهي العبادة - على تنوع مجالات العبادة وهيئاتها - وهكذا حيثما بحث الإنسان عن الحقيقة في هذا الوجود . . « وحين تكون الكينونة الإنسانية في الوضع الذي يطابق « الحقيقة » في كل مجالاتها ، تكون في أوج قوتها الذاتية ؛ وفي أوج تناسقها - كذلك - مع « حقيقة » هذا الكون الذي تعيش فيه ، وتتعامل معه ؛ ومع « حقيقة » كل شيء في هذا الوجود ، مما تتأثر به وتؤثر فيه . . وهذا التناسق هو الذي يتيح لها أن تنشئ أعظم الآثار ، وأن تؤدي أعظم الأدوار . « وحينما بلغت هذه الحقيقة أوجها في المجموعة المختارة من المسلمين الأوائل ، صنع اللّه بها في الأرض أدوارا عميقة الآثار في كيان الوجود الإنساني ، وفي كيان التاريخ الإنساني . . « وحين توجد هذه الحقيقة مرة أخرى - وهي لا بد كائنة بإذن اللّه - سيصنع اللّه بها الكثير ، مهما يكن في طريقها من العراقيل . ذلك أن وجود هذه الحقيقة في ذاته ينشئ قوة لا تقاوم ؛ لأنها من صميم قوة هذا الكون ؛ وفي اتجاه قوة المبدع لهذا الكون أيضا . « . . . إن هذه الحقيقة ليست أهميتها فقط في تصحيح التصور الإيماني . وإن كان هذا التصحيح في ذاته غاية ضخمة يقوم عليها بناء الحياة كله - بل إن أهميتها كذلك في حسن تذوق الحياة ، وبلوغ هذا التذوق أعلى درجات الكمال والتناسق . فقيمة الحياة الإنسانية ذاتها ترتفع حين تصبح كلها عبادة للّه ؛ وحين يصبح كل نشاط فيها - صغر أم كبر - جزءا من هذه العبادة ؛ أو كل العبادة ، متى نظرنا إلى المعنى الكبير الكامن فيه . وهو إفراد اللّه - سبحانه - بالألوهية والإقرار له وحده بالعبودية . . هذا المقام الذي لا يرتفع الإنسان إلى ما هو أعلى منه ؛ ولا يبلغ كماله الإنساني إلا في تحقيقه . وهو المقام الذي بلغه رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في أعلى مقاماته التي ارتقى إليها . مقام تلقي الوحي من اللّه . ومقام الإسراء أيضا : « تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً » . . . ( الفرقان : 1 ) . « سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ . لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا ، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ » . . . ( الإسراء : 1 ) « 1 » . * وننتقل إلى قيمة أخرى من قيم توحيد العبادة بمعنى الدينونة للّه وحده وآثارها في الحياة الإنسانية : إن الدينونة للّه تحرر البشر من الدينونة لغيره ؛ وتخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة اللّه وحده . وبذلك تحقق للإنسان كرامته الحقيقية وحريته الحقيقية ، هذه الحرية وتلك اللتان يستحيل ضمانهما في ظل أي نظام آخر - غير النظام الإسلامي - يدين فيه الناس بعضهم لبعض بالعبودية ، في صورة من صورها الكثيرة . . .
--> ( 1 ) عن كتاب : « خصائص التصور الإسلامي ومقوماته » . فصل : « الشمول » ص 126 - ص 131 مقتطفات . نشر « دار الشروق » .